الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
425
تفسير كتاب الله العزيز
خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) : أي : من طين . كقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [ الأنعام : 2 ] وقال إبليس : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) [ سورة ص : 76 ] ، وقول إبليس : ( أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) على الاستفهام ، أي : لا أسجد له . ثمّ قال : قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ : فأمرتني بالسجود له لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ( 62 ) : قال مجاهد : لأحتوينّهم . وقال الكلبيّ : لأستولينّ على ذرّيّته ، أي : فأضلّهم ، إلّا قليلا . وقال الحسن : لأستأصلنّ ذرّيّته ، يعني يهلكهم ، إلّا قليلا ، يعني المؤمنين « 1 » . وهذا القول منه بعد ما أمر بالسجود ، وذلك ظنّ منه حيث وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما ، أي : صبرا . فقال : بنو هذا في الضعف مثله . وذكروا أنّ إبليس كان يطيف بآدم قبل أن ينفخ فيه الروح ، فلمّا رآه الخبيث أجوف عرف أنّه لا يتمالك . قوله : قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) : قال مجاهد : وافرا . قوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ : يعني بدعائك ، أي : بوسوستك « 2 » . وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ . قال مجاهد : كلّ فارس في معصية اللّه فهو من خيل إبليس ، وكلّ راجل في معصية اللّه فهو من رجل إبليس . وقال بعضهم : رجاله الكفّار والضلّال من الجنّ والإنس . وكان الحسن يقرؤها : ( ورجالك ) وقال : وإنّ له خيلا وإنّ له رجالا .
--> ( 1 ) وقد جمع أبو عبيدة هذه المعاني المتقاربة بتعبير أدقّ فقال في المجاز ، ج 1 ص 384 : « ( لأحتنكنّ ذرّيّته ، إلّا قليلا ) مجازه : لأستميلنّهم ولأستأصلنّهم . يقال : احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره : أخذه كلّه واستقصاه » . ( 2 ) قال أبو عبيدة في المجاز : ( واستفزز من استطعت ) أي : استخفف ، واستجهل . ( بخيلك ورجلك ) جميع راجل ، بمنزلة تاجر والجميع تجر ، وصاحب والجميع صحب » .